ابن حزم

564

الاحكام

عمر وعثمان فلم يكن فيهم أحد يعلمهم زكاة الفطر التي يعلمها النساء والصبيان في كل مدينة وكل قرية لتكررها في كل عام في العيد إثر رمضان ، حتى بقوا المدة المذكورة ليس فيهم أحد علم ذلك ، وأهل المدينة يعرفونها ، فكيف يكتم مثل هذا والوفود من البصرة يفدون على الخليفتين بالمدينة ؟ . وتالله إن هذه لمصيبة على عمر وعثمان وأهل المدينة أعظم منها على أهل البصرة إذ تعمدوا ترك تعليمهم أو ضيعوا ذلك وكل ذلك باطل لا يمكن البتة ، وكذب لا خفاء به ، ومحال ممتنع لما ذكرنا . وثالثها : أن المحتجين بهذا الخبر - وهم المقلدون لمالك - أول مبطل لحكم هذا الخبر ، فلا يرون ما فيه من نصف صاع قمح مكان صاع شعير في زكاة الفطر ، أفليس من الرزايا والفضائح والبلايا والقبائح من يموه بخبر يحتج به فيما ليس فيه منه شئ على من لا يراه حجة لو صح ؟ لأنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم المحتج به أول مخالف لما احتج به ، وأول مبطل ومكذب لما فيه ، مما لو صح ذلك الخبر لما حل لاحد خلافه ، لأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نعوذ بالله العظيم من مثل هذا المقال في الدنيا والآخرة . وإذ قد صححوا ههنا رواية الحسن عن ابن عباس فقد : نا أحمد بن محمد الطلمنكي ، نا ابن مفرج ، نا محمد بن أيوب الرقي ، نا أحمد بن عروة بن عبد الخالق البزار نا محمد بن المثنى ، نا يزيد بن هارون ، نا حميد الطويل ، عن الحسن البصري ، قال : خطبنا ابن عباس بالبصرة فقال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ، صاع من تمر أو صاع من شعير أو بنصف صاع من بر ومن أتى بدقيق قبل منه ، ومن أتى بسويق قبل منه . وهم أول عاص لما في هذا الخبر ، فيا للناس ، مرة يصححون رواية الحسن عن ابن عباس إذا ظنوا أنهم يموهون به في إثبات باطل دعواهم ، ومرة يبطلونهم ويكذبونها إذا خالفت رأي مالك فيزورون شاهدهم ويكذبون أنفسهم ، ألا ذلك هو الضلال المبين . قال أبو محمد : وهذا خبر رواه ابن سيرين وأبو رجاء عن ابن عباس وهما حاضران لولايته فلم يذكروا فيه ما ذكر ابن عباس من القول : يا أهل المدينة قوموا علموا إخوانكم ، فصح أنها زيادة من لا خير فيه .